القاضي التنوخي

317

الفرج بعد الشدة

وخمسمائة دينار عينا . قال الرجل : فحين لفظت بالبيع ، وقبضت الثمن ، ندمت ، واندفعت في بكاء عظيم ، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي ، وجهدت في الإقالة ، فلم يكن إلى ذلك سبيل . فأخذت الدنانير في الكيس ، وأنا لا أدري إلى أين أذهب ، لأنّ بيتي موحش منها ، وورد عليّ من اللطم والبكاء ما هوّسني . فدخلت مسجدا ، وجلست فيه أبكي ، وأفكّر فيما أعمل ، فحملتني عيني ، فتركت الكيس تحت رأسي كالمخدّة ، ونمت . فما شعرت إلّا بإنسان قد جذبه من تحت رأسي [ 237 م ] فانتبهت فزعا ، فإذا بإنسان قد أخذ الكيس ، ومرّ يعدو ، فقمت لأعدو وراءه ، فإذا رجلي مشدودة بخيط في وتد مضروب في آخر المسجد ، فإلى أن تخلّصت من ذلك ، غاب الرجل عن عيني . فبكيت ، ولطمت ، ونالني أمر أشدّ من الأوّل ، وقلت : قد فارقت من أحبّ ، وبعته ، لأستغني بثمنه عن الصدقة ، فقد صرت الآن فقيرا ، مفارقا لمن أحبّ . فجئت إلى دجلة ، ولففت وجهي برداء كان على رأسي ، ولم أكن أحسن أسبح ، ورميت بنفسي في الماء [ 89 ن ] لأغرق . فظنّ الحاضرون أنّ ذلك لغلط وقع عليّ ، فطرح قوم نفوسهم خلفي ، فأخذوني ، وسألوني عن أمري ، فأخبرتهم ، وبقيت منهم بين راحم ومستجهل . إلى أن خلا بي شيخ منهم ، فأخذ يعظني ، ويقول : يا هذا ، ذهب مالك ، فكان ما ذا حتى تتلف نفسك ، أو ما علمت أنّ فاعل هذا في نار جهنّم ، ولست أوّل من افتقر بعد غنى ، فلا تفعل ، وثق باللّه تعالى . ثم قال لي : أين منزلك ؟